عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
62
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
فهو مخلص فيما بينه وبين اللّه ، وفائدة قولي نسلم له مشهده ولا نسلم للأول الذي يشهد جريان القدرة بعد صدور الفعل ، على أنا لا نسلم لأحد منهما أن يحتجّ بالقدرة فيما يخالف الأمر والنهي ، بل يلزمهما حكم ظاهر الأمر فنقيم الحدّ على من ظهر منه ما يوجب الحدّ في حكم الشرع ، وذلك لما يلزمنا من حكم اللّه تعالى لأنه فعل ما يلزمه من حكم اللّه ، وهو ما اقتضاه شهود المظهر الذي فيه فنجريه على ما اقتضاه ذلك التجلي ، وهو أداء حق اللّه تعالى عليه ، وبقي علينا أداء حق اللّه تعالى فيما أمرنا بأن نحدّ من عصاه بالحدّ الذي أقامه اللّه سبحانه وتعالى في كتابه ، فكانت فائدة قولي نسلم له مشهده راجعة إليه فيما بينه وبين نفسه تقريرا لمشهده ، وقولي في الذي لا يشهد جريان القدرة إلا بعد صدور الفعل لا نسلم له إلا في غيره ، ولا نسلم له في نفسه إلا فيما وافق الكتاب والسنة لئلا يقبل من نفسه ذلك ، لأن الزنديق أيضا يفعل المعصية ، وبعد صدور الفعل منه يقول : كان بإرادة اللّه تعالى وقدرته وفعله ولم يكن لي فيه شيء وهو مقام ؛ ومنهم من يشهد فعل اللّه به ، ويشهد فعل نفسه تبعا لفعل اللّه تعالى ، فيسمي نفسه في الطاعة طائعا وفي المعصية عاصيا ، وهو فيهما مسلوب الحول والقوّة والإرادة ؛ ومنهم من لا يشهد فعل نفسه بل يشهد فعل اللّه فقط فلا يجعل لنفسه فعلا ، فلا يقول في الطاعة أنه مطيع ، ولا في المعصية ، ومن جملة ما يقتضيه مشهدهم أن أحدهم يأكل معك ويحلف أنه ما أكل ، ويشرب ويحلف أنه ما شرب ، ثم يحلف أنه ما حلف وهو عند اللّه برّ صدوق ، وهي نكتة لا يفهمها إلا من ذاق هذا المشهد ووقع فيه وقوعا عينيا ؛ ومنهم من لا يشهد فعل اللّه إلا بغيره ولا يشهده لنفسه ، - أعني فيما يخصه - ؛ ومنهم من لا يشهد فعل اللّه إلا في نفسه ولا يشهده في غيره ، وهذا أعلى من الأول مشهدا ، ومنهم من يشهد فعل اللّه به في الطاعات ولا يشهد جريان القدرة به في المعاصي ، فهو مع اللّه تعالى من حيث تجلي أفعاله في الطاعات ، وإنما حجب اللّه تعالى عنه فعله به في المعاصي رحمة به لئلا تقع منه المعصية وذلك دليل على ضعفه ، لأنه لو قوى لشهد فعل اللّه تعالى به في المعاصي كما شهده في الطاعات ويحفظ عليه ظاهر شرعه ؛ ومنهم من لا يشهد أعني لا يتجلى له فعل الحق به إلا في المعاصي ابتلاءه له من الحق فلا يشهده في الطاعات ، ومن يكون بهذا الوصف فهو أحد رجلين : إما رجل حجب اللّه عنه في الطاعات لكونه يحبّ أن يكون مطيعا ويقدّم الطاعة على غيرها ، فاحتجب اللّه تعالى عنه فيها وظهر له في المعاصي ليشهد الحق فيها فيحصل له